محمد أبو زهرة

2221

زهرة التفاسير

جاءوا بعدهم حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ يجب العمل بشريعته حتى يجئ ما ينسخها ، فالعمل واجب بشريعة الإنجيل من أهل الإنجيل ، فلما جاءت شريعة محمد عليه الصلاة والسلام صاروا أهل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم . والقراءة الثانية بسكون اللام ، وسكون الميم على أن اللام للأمر « 1 » ، وسياق الكلام على هذا يوجب تقدير محذوف ، وهو ( قلنا ) مثلا ليكون متقابلا مع أهل التوراة الذين قال تعالى فيهم : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ . . . ( 45 ) [ المائدة ] . فالمعنى : وقلنا ليحكم أهل الإنجيل . وعلى هذا التقدير يكون العمل بالإنجيل سابقا على نزول القرآن . وإذا لم تقدر كلمة قلنا ، فإن الكلام لا يدل على بقاء شريعة الإنجيل للنصارى ؛ وذلك لأنه بعد بعث محمد صلى الله عليه وسلم صاروا هم أهل القرآن ؛ لأنهم هم الذين يخاطبون برسالته ، ومعهم غيرهم من الخليقة ، فكل الذين يدركون نبيا هم أهل رسالته التي يخاطبون بها ، لا فرق بين قريب دان ، وبعيد قاص ، وأيضا فإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم قد نسخت ما يخالفها مما سبقها ، إذ شريعة القرآن هي المهيمنة على ما عداها ، كما قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ . وهذه الهيمنة توجب العمل بما أقره من الكتب السابقة ، وبطلان العمل بما نسخه منها . الإنجيل الذي له تلك الأوصاف السابقة هو الذي لم يجر فيه التحريف ، وهو خاص بالحكم فيما قبل البعث المحمدي . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ في هذا النص الكريم الحكم على من لم يحكم بما أنزل الله تعالى بالفسق ، أي الخروج عن جادة الحق ، والسنن المستقيم والخلق الكريم ، وكان الحكم بالفسق هنا مناسبا لمواعظ الإنجيل الذي نزل على عيسى وهدايته ؛ لأن تعريف القرآن الكريم له فيه إشارة إلى ما اشتمل من أخلاق روحانية قويمة ، وهداية سليمة ، والمناسب لمن لم يحكم به أن

--> ( 1 ) السابق .